محمد بن جرير الطبري

500

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

كان لسليمان مائه امراه ، وكانت امراه منهن يقال لها جراده ، وهي آثر نسائه عنده ، وآمنهن عنده ، وكان إذا أجنب أو اتى حاجه نزع خاتمه ، ولا ياتمن عليه أحدا من الناس غيرها ، فجاءته يوما من الأيام فقالت له : ان أخي بينه وبين فلان خصومه ، وانا أحب ان تقضى له إذا جاءك ، فقال : نعم ، ولم يفعل ، فابتلى فأعطاها خاتمه ، ودخل المحرج فخرج الشيطان في صورته ، فقال : هاتي الخاتم ، فأعطته ، فجاء حتى جلس على مجلس سليمان ، وخرج سليمان بعد فسألها ان تعطيه خاتمه ، فقالت : ا لم تأخذه قبل ؟ قال : لا ، وخرج من مكانه تائها ، قال : ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما . قال : فأنكر الناس احكامه ، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم ، وجاءوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا : انا قد أنكرنا هذا ، فإن كان سليمان ، فقد ذهب عقله ، وأنكرنا احكامه ! قال : فبكى النساء عند ذلك ، قال : فاقبلوا يمشون حتى اتوه ، فاحدقوا به ثم نشروا فقرءوا التوراة ، قال : فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفه والخاتم معه ، ثم طار حتى ذهب إلى البحر ، فوقع الخاتم منه في البحر ، فابتلعه حوت من حيتان البحر ، قال : واقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع ، وقد اشتد جوعه ، فاستطعمه من صيدهم ، وقال : انى انا سليمان ، فقام اليه بعضهم فضربه بعضا فشجه ، قال : فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر ، فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه وقالوا : بئس ما صنعت حيث ضربته ! قال : انه زعم أنه سليمان ، قال : فأعطوه سمكتين مما قد ضرب عندهم ، فلم يشغله ما كان به من الضرب ، حتى قام على شط البحر ، فشق بطونهما ، وجعل يغسلهما ، فوجد خاتمه في بطن إحداهما ، فأخذه فلبسه ، فرد الله عليه بهاءه وملكه ، وجاءت الطير حتى حامت عليه ، فعرف القوم انه سليمان ، فقام القوم يعتذرون مما صنعوا ، فقال : ما احمدكم على